الطفولة الضائعة في مصر… ملف دولة لا يحتمل التأجيل م. فادي بسطا
هناك ملف في مصر أخطر من أن نتركه في هامش الأخبار، وأكبر من أن نتعامل معه كحالات فردية متفرقة؛ إنه ملف “الطفولة الضائعة”. بين أطفال يتعرضون للعنف داخل بيوتهم، وآخرين تدفعهم الظروف القاسية إلى الشارع وسوق العمل مبكرًا، أو يتسربون من التعليم تحت وطأة الإهمال والتفكك الأسري والتنمر، يبرز السؤال الجوهري: هل كل طفل ضائع هو طفل سيئ، أم أن المنظومة المجتمعية تأخرت في التقاط استغاثته؟تشير تقارير “اليونيسف” إلى أن العنف والإهمال والاستغلال وغياب الرعاية الأسرية تشكل أكبر تحديات حماية الطفل في مصر، في ظل استمرار التعامل مع القسوة والضرب كوسائل مقبولة للتأديب. والأخطر في هذا المشهد هو أن الطفل الذي نتجاهل صرخاته وألمه اليوم يتحول حتمًا غدًا إلى شاب غاضب، أو مدمن، أو متسرب، أو ضحية لجريمة أو حتى طرفًا فاعلًا فيها.وهنا تبرز مسؤولية الدولة الحقيقية في تبني استراتيجية قوامها “الوقاية قبل وقوع الجريمة”. فالدولة لا تستطيع التواجد داخل كل بيت، لكنها تمتلك الأدوات لبناء منظومة متكاملة تكتشف الطفل المعرض للخطر وتتدخل لحمايته قبل أن تضيع حياته وينحرف مساره.ومع انطلاق العام الدراسي الجديد، تصبح المدرسة هي خط الدفاع الأول الذي لا غنى عنه. هذا الدور يتطلب تفعيل وظيفة الأخصائي النفسي والاجتماعي في كل مؤسسة تعليمية ليكون دورًا ميدانيًا مدربًا باحترافية على اكتشاف علامات العنف والانهيار النفسي والتنمر مبكرًا، بعيدًا عن الحضور الروتيني الصوري.ولكي تكتمل هذه الرؤية، نحتاج إلى بناء منظومة وطنية للإنذار المبكر تربط المؤشرات الحرجة — كالغياب المتكرر، والتسرب، والإصابات الجسدية الظاهرة، والتحولات السلوكية المفاجئة — بآليات تدخل سريعة وفعالة ومباشرة تمنع تفاقم المشكلة.ولا يمكن عزل حماية الطفل عن واقع محيطه؛ إذ تتطلب الحماية دعم الأسرة ذاتها قبل وصولها إلى مرحلة التفكك، فالأزمات المعيشية والبطالة والإدمان والنزاعات الداخلية تنعكس مباشرة على الأبناء، والطفل في النهاية هو الطرف الأضعف الذي يدفع الضريبة الكبرى.كما تقتضي المرحلة تشديد الرقابة وتطبيق القوانين بحزم لمواجهة عمالة الأطفال والتسرب التعليمي، بالتوازي مع تأسيس مراكز متخصصة للعلاج والتأهيل النفسي والسلوكي للأطفال والمراهقين الذين عانوا من صدمات العنف أو الاستغلال، لضمان دمجهم كأفراد أصحاء في المجتمع.أما مؤسسات الرعاية والأطفال بلا مأوى، فإنها بحاجة إلى إعادة هيكلة جذرية ورقابة دورية مستمرة، مع إعادة ضبط المفاهيم التشريعية والاجتماعية للتعامل مع العنف الأسري بوصفه انتهاكًا قانونيًا وقضية حماية طفل مكتملة الأركان، وليس مجرد “خلاف عائلي” يُغلق عليه الباب.ويكتمل هذا المسار التقني بتأسيس قاعدة بيانات وطنية دقيقة وموحدة للأطفال المعرضين للخطر تراعي أعلى معايير الخصوصية، إلى جانب تعزيز قدرات خط نجدة الطفل (16000) ليعمل كمرصد تحليلي رقمي يرسم خريطة المخاطر ويوجه فرق التدخل الميداني بكفاءة وسرعة.إن معيار النجاح الحقيقي لا يقاس بحجم البلاغات التي يتم تلقيها، بل بعدد الأطفال الذين ننجح في حمايتهم قبل أن تتحول معاناتهم إلى كوارث. مصر تضم ما يزيد على 39 مليون طفل؛ والاستثمار في أمانهم وسلامتهم ليس مجرد عمل خيري أو رعائي، بل هو استثمار سيادي وأمني في صلب رأس المال البشري ومستقبل استقرار الدولة.


