التجربة الصينية في مكافحة الفقر واحدة من أبرز تجارب التنمية في العالم، ليس فقط بسبب حجم الإنجاز، وإنما لأنها تعاملت مع الفقر باعتباره قضية متعددة الأبعاد، ترتبط بالدخل والتعليم والعمل والبنية التحتية والتكنولوجيا والقدرة على الوصول إلى الأسواق، وليس مجرد مشكلة يمكن حلها بالمساعدات المالية

أحد أهم عناصر هذه التجربة هو الانتقال من مفهوم إعانة الفقير إلى تمكينه اقتصاديًا، من خلال دراسة ظروف كل منطقة وتحديد مواردها واحتياجاتها، ثم اختيار الأنشطة الأكثر ملاءمة لها. فلم تتبع الصين نموذجًا واحدًا للتنمية، وإنما استفادت كل منطقة من إمكاناتها، سواء في الزراعة أو الصناعة أو السياحة الريفية أو الحرف التقليديه،ومن النماذج المهمة تحويل الموارد المحلية إلى قيمة اقتصادية. فقد استطاعت بعض المناطق بناء صناعات متكاملة اعتمادًا على منتجاتها الزراعية ومواردها الطبيعية، ومنها الخيزران الذي أصبح أساسًا لعدد كبير من المنتجات والصناعات، بما وفر فرص عمل ومصادر دخل مستدامة. والدرس هنا أن التنمية لا تحتاج دائمًا إلى مشروع ضخم؛ فقد تبدأ من محصول مميز أو حرفة تقليدية أو منتج محلي يحتاج فقط إلى التطوير والتسويق

كما أولت الصين اهتمامًا بالسياحة الريفية وإعادة توظيف المباني والمخازن القديمة وتحويلها إلى مقاهٍ ومساحات ثقافية ومشروعات صغيرة، مع الحفاظ على الهوية المحلية. وهو نموذج يجمع بين حماية التراث وخلق فرص العمل وجذب الزوار وتنشيط الأسواق المحلية

وكان للتكنولوجيا دور أساسي، سواء في تطوير الزراعة وتحسين إدارة المياه والموارد أو في التجارة الإلكترونية والتسويق الرقمي، بما ساعد المنتجين في المناطق البعيدة على الوصول مباشرة إلى أسواق أوسع وتقليل الاعتماد على الوسطاء

ويُعد التعليم من أهم ركائز مكافحة الفقر على المدى الطويل، لأنه لا يوفر المعرفة فقط، بل يمنح الأفراد القدرة على تحسين فرصهم في العمل والإنتاج وتغيير أوضاعهم الاقتصادية. وتبرز هنا أهمية ربط التعليم، وخاصة التعليم الفني والتدريب المهني، باحتياجات كل منطقة وسوق العمل، بحيث يكتسب الشباب مهارات عملية تساعدهم على الحصول على فرص عمل أو إنشاء مشروعات خاصة بهم. كما أن الاستثمار في التعليم داخل المناطق الريفية يساهم في كسر دائرة الفقر بين الأجيال، ويجعل التنمية أكثر استدامة، لأن الإنسان المتعلم والمؤهل يصبح قادرًا على الاستفادة من التكنولوجيا والفرص الاقتصادية الجديدة بدلًا من الاعتماد المستمر على الدعم

كذلك ساهم توطين الصناعة بالقرب من المجتمعات المحلية في توفير الوظائف وخلق أنشطة اقتصادية مرتبطة بها في مجالات النقل والتجارة والخدمات، وهو ما يعزز التنمية المستدامة وليس مجرد توفير فرص عمل مؤقتة

ولا يمكن بالطبع نقل التجربة الصينية حرفيًا إلى مصر، فلكل مجتمع ظروفه، ولكن يمكن الاستفادة من فلسفتها. ويمكن البدء بإعداد خريطة دقيقة لموارد وفرص كل قرية ومحافظة، وربط برامج الحماية الاجتماعية بالتعليم والتدريب والعمل والإنتاج، ودعم الصناعات والحرف المحلية، والتوسع في السياحة الريفية، وتطوير التعليم الفني وربطه باحتياجات سوق العمل، واستخدام التكنولوجيا في الزراعة والتجارة، وربط المشروعات الصغيرة بالأسواق وسلاسل الإنتاج

فالدرس الأهم من التجربة الصينية أن مكافحة الفقر لا تعني فقط زيادة الدعم، بل بناء قدرة الإنسان على التعلم والإنتاج والاستقلال الاقتصادي. ومصر تمتلك موارد بشرية وطبيعية وتراثية كبيرة، وما نحتاج إليه هو أن ننظر إلى القرية ليس فقط باعتبارها مكانًا يحتاج إلى المساعدة، وإنما باعتبارها مجتمعًا يمتلك طاقات بشرية وموارد وفرصًا يمكن تطويرها بالتعليم والتدريب وتحويلها إلى تنمية حقيقية ومستدامة