بقلم / محمد فؤاد

في السياسة، يمكن التسامح مع اختلاف التقديرات، ويمكن تفهم أن بعض المشروعات قد تتعطل أو تحتاج إلى وقت حتى تؤتي ثمارها، بل ويمكن قبول أن قطاعًا استراتيجيًا بحجم الطاقة يمر بتحديات دولية معقدة، لكن ما لا يمكن قبوله هو أن يتحول الفشل إلى سياسة، وأن تتحول الدعاية إلى بديل عن الإنجاز، وأن يصبح الخطاب الإعلامي أكثر نشاطًا من الحفارات نفسها.

رواية متكررة… وواقع لا يتغير

منذ عامين، لا تكاد تمر بضعة أسابيع إلا وتخرج علينا وزارة البترول بسردية جديدة، بالتنقل بين اكتشافات ستغير مستقبل الطاقة في مصر، أو استثمارات غير مسبوقة، أو وجود طفرة قريبة، أو الاتفاق على شراكات تاريخية لصالحنا، لكن السردية الأكثر تكرارًا كانت أن المشكلة ليست في الوزارة، وإنما في متأخرات الشركاء الأجانب، وأن سداد هذه المستحقات سيعيد الإنتاج إلى مساره الطبيعي.

وقتها أكدت أن المشكلة أعمق من ذلك، فاختزال الأزمة في بند مالي واحد هو تبسيط مخل لملف بالغ التعقيد، ليتضح الموقف اليوم، بعد أن سُددت المتأخرات بصورة كبيرة، فماذا حدث!.. هل عاد الإنتاج؟.. هل توقفت الواردات؟.. هل انخفض نزيف العملة الصعبة.. هل تغير ميزان الطاقة؟ والحقيقة أن سداد مستحقات الشركاء لم يكن يومًا إنجازًا شخصيًا للوزير، بل كان سياسة دولة وفرت له ظروفًا أفضل للعمل، والوزير يُقاس بما استطاع تحقيقه من نتائج في ظل هذه الظروف الأفضل، لا بمجرد توفرها.

الأرقام تحسم الجدل

والإجابة يلمسها الجميع، فمؤشرات التراجع مستمرة في الاتجاه نفسه، بل تسارعت: فمنذ تولي الوزير الحالي مهامه، تراجع الإنتاج من نحو 4.8 مليار قدم مكعبة يوميًا إلى قرابة 3.6 مليار قدم مكعبة يوميًا، أي بانخفاض يقارب 25%، وهو ما يُعني أن النتيجة الوحيدة الملموسة لظروف أفضل هي مزيد من التراجع لا التعافي. وأصبحنا أمام فاتورة سنوية للطاقة تقترب من 42 مليار دولار، وهو رقم لم يكن أحد يتصور أن تصل إليه مصر قبل سنوات قليلة، مع تحول في هيكل الإمدادات وارتفاع تكلفة الطاقة على الاقتصاد ككل، بل إن الوزير الحالي أتيحت له ظروف أفضل مما أتيحت لسابقيه، ومع ذلك لم ينجح حتى الآن في وقف التراجع أو تغيير اتجاهه.

حزب العدل.. من النقد إلى تقديم البدائل

لهذا السبب، لم يكن موقف حزب العدل سواء في مواقفه البرلمانية أو التقديرات الصادرة عن مركزه للدراسات مجرد انتقاد إعلامي أو معارضة شكلية، فالحزب قدم دراسة متكاملة حاولت أن تنقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى الأرقام، لم يتوقف خلالها عند انخفاض الإنتاج، بل شرحت كيف انتقلت مصر تدريجيًا من موقع المنتج والمصدر إلى موقع المستورد الذي يعتمد بصورة متزايدة على الغاز المستورد والغاز الطبيعي المسال مرتفع التكلفة، وانعكاس ذلك على تكلفة الكهرباء والصناعة والموازنة العامة، وما يفرضه من ضغوط على الاقتصاد المصري حتى عام 2030 إذا استمر المسار الحالي دون مراجعة.. دراسة تحليلية – الغاز الطبيعي في مصر 2026-2030 – مركز العدل.

لم نكتف بإصدار الدراسة، فداخل مجلس النواب، تقدمنا كهيئة برلمانية باستجواب لوزير البترول، وتقدمنا بعشرات طلبات الإحاطة، وأثرنا الملف في مناسبات متكررة، ليس لأننا نبحث عن معركة سياسية، وإنما لأننا كنا نرى مبكرًا أن الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع تتسع يومًا بعد يوم، وأن المشهد مقلق للغاية يتطلب وقفة حقيقية حتى لا يستمر الانزلاق إلى ما هو أسوأ.

الغريب أنه في كل مرة تقريبًا كانت الردود متشابهة، بأن هناك سوء فهم أو هناك معلومات غير مكتملة، أو حتى بأن هناك تطورات ستظهر قريبًا لكن لا يجب إعلانها الآن، لكن لم يعد ممكنًا الاحتماء بهذه المبررات، بعدما طال الوقت واستمر التراجع وارتفعت كلفته الاقتصادية عامًا بعد آخر.

النتائج أهم من الخطاب الإعلامي

السياسة تُقاس بالنتائج، لا بحسن النوايا، ولا بعدد المؤتمرات الصحفية، ولا بحجم التغطية الإعلامية، والنتائج واضحة ولا مجال بعد كل هذه الوعود والخطط والسنوات والأموال إلى مزيد المماطلة في الاعتراف بالفشل في إدارة هذا الملف.

فمن يراجع أداء الوزارة خلال العامين الماضيين سيجد جهدًا إعلاميًا هائلًا، وتصريحات لا تتوقف، وعناوين متفائلة، ومؤتمرات متتالية، بينما يتحرك الواقع في الاتجاه المعاكس، حتى أصبحت الصورة في أحيان كثيرة وكأن هناك وزارتين: وزارة تعمل في البيانات الصحفية، ووزارة أخرى تظهر في أرقام الإنتاج والواردات والفاتورة الدولارية، ولا يوجد بين الاثنتين أي انسجام.

والأخطر من ذلك أن الحجج والأولويات المعلنة تتغيران معًا كلما فقدت السردية السابقة قدرتها على الإقناع: فعندما لم تتحقق الوعود المرتبطة بالاكتشافات، أصبح الحديث عن مستحقات الشركاء، وعندما سُددت المستحقات ولم يتحقق التحسن الموعود، تحول التركيز من زيادة الإنتاج والاستكشافات إلى إدارة الاستيراد وتأمين احتياجات السوق المحلية، واليوم يبرز الحديث عن التعدين ومؤتمره المقبل، وكأن المطلوب دائمًا هو فتح ملف جديد قبل أن يُحاسب أحد على نتائج الملف القديم. وفي جميع هذه المراحل بقي السؤال نفسه دون إجابة واضحة: ما الخطة الزمنية لاستعادة نمو الإنتاج المحلي، باعتباره الضمان الحقيقي لأمن الطاقة وتقليل الضغط على النقد الأجنبي؟.

التعدين مهم… لكنه ليس بديلا عن إصلاح قطاع الطاقة

لا أحد يعترض على تطوير قطاع التعدين، بل على العكس، فهو قطاع واعد يستحق الاهتمام، لكن نجاحه لا ينبغي أن يكون مبررًا لتأجيل معالجة أزمة قطاع قائم يمثل العمود الفقري لمنظومة الطاقة، فهو لا يعوض تراجع إنتاج الغاز الطبيعي أو النفط الخام، ولا يخفف بصورة مباشرة من فاتورة استيراد الوقود التي تتحملها الدولة سنويًا، ولا ينبغي أن يتحول فتح هذا الملف إلى وسيلة لتجاوز المساءلة عن نتائج ملف الطاقة، لأنه حينما تبقى الإدارة ذاتها والمنهج ذاته، يصعب توقع نتائج مختلفة. وقبل أن نحتفل بالمؤتمر القادم، من حق المصريين أن يعرفوا ماذا تحقق في كل الوعود والخطط السابقة، وما الذي تغير في الإنتاج، وما حجم العائد الحقيقي الذي دخل الخزانة العامة.

وفي الحقيقة فالمسؤولية السياسية هنا لا تقع على وزير البترول وحده، فرئيس مجلس الوزراء تبنى هذا النهج، ودافع عنه، واستمر في منحه الغطاء السياسي والإعلامي رغم استمرار التراجع في المؤشرات، ومن الطبيعي أنه عندما تستمر الإدارة ذاتها، والسياسات ذاتها، والنتائج السلبية ذاتها، تصبح المسؤولية مسؤولية الحكومة بأكملها.

وبالطبع القضية ليست أشخاصًا بقدر ما هي منهج، لأن الاقتصاد لا يعرف المجاملات، وأسواق الطاقة لا تتأثر بالعناوين، والعملة الصعبة التي تغادر البلاد كل شهر لا تعود بالتصفيق ولا بالوعود، بل بوضع اقتصادي تكشف الأرقام حجم كارثيته ومدى تنافي واقعه مع أي مجهود حقيقي كان يفترض أن يتم.

لقد آن الأوان لمراجعة حقيقية، ومحاسبة سياسية عادلة، وإعادة بناء إدارة هذا الملف على أساس الكفاءة والشفافية والنتائج، فاستمرار النهج نفسه مع المؤشرات ذاتها يعني ببساطة استمرار استنزاف الموارد وتعميق الضغوط على الاقتصاد الوطني.

والمراجعة المطلوبة لا تعني فقط تقييم أداء الأشخاص أو تغييرهم، وإنما مراجعة فلسفة إدارة القطاع بأكملها؛ بدءًا من سياسات جذب الاستثمار، وسرعة تنمية الحقول، وآليات التعاقد مع الشركاء، وصولًا إلى مستوى الشفافية في إعلان البيانات الدورية للإنتاج والاستيراد، حتى يصبح تقييم الأداء قائمًا على أثر حقيقي ملموس ومؤشرات قابلة للقياس، لا على الانطباعات أو الحملات الإعلامية.

السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل

لقد قدم حزب العدل ما لديه من دراسات، واستخدم كل أدواته الرقابية داخل البرلمان، وطرح بدائل وسياسات قابلة للنقاش، واليوم، وبعد كل ما جرى، لم يعد السؤال: هل توجد أزمة؟ بل أصبح السؤال: كم سندفع ثمن تأجيل الاعتراف بها؟

فبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام من إدارة الملف، لم يعد من المنطقي استمرار إرجاع التراجع إلى أخطاء سابقة وأزمات دولية أو ظروف موروثة، فالفترة الزمنية أصبحت كافية للحكم على السياسات من خلال نتائجها، سواء في الإنتاج أو الاستثمارات أو الواردات أو فاتورة الطاقة، وفي إدارة الملفات الاقتصادية، يبقى المعيار الوحيد هو ما تعكسه المؤشرات، لا ما تعد به التصريحات.

ختاما.. فالأرقام لا تكذب، والاقتصاد لا يعرف الدعاية أو الحديث عن أمور خفية وسط هذا النزيف الذي لا يتوقف للعملة الصعبة، وعندما تصبح الفاتورة بهذا الحجم والثقل على موارد وقدرات الدولة، فإن تغيير الإدارة – ومَن وفر لها الغطاء- لم يعد مطلبًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وطنية