بدأت التجربة الصينية، منذ عقود، بوصفها نموذجًا استراتيجيًا غير مسبوق في التحول الاقتصادي والاجتماعي. فمن اقتصاد يعتمد على الصناعات التقليدية والعمالة الرخيصة، تمكنت الصين خلال سنوات معدودة من احتلال مكانة القوة الاقتصادية الثانية في العالم، ثم السعي نحو الصدارة في مجال الابتكار التكنولوجي والبحث العلمي. هذا التحول ليس صدفة، بل نتاج سياسات وطنية متكاملة تعتمد على العلم، التعليم، التكنولوجيا، الانفتاح الاقتصادي، وتطوير الإنسان الصيني ليكون ركيزة المستقبل.
رحلة البداية: التقليد والإنتاج الضخم، في منتصف القرن العشرين، ومع بداية الإصلاحات الاقتصادية بعد عام 1978، اتجهت الصين إلى فتح أبوابها أمام العالم وتحويل الاقتصاد المركزي إلى اقتصاد سوق اشتراكي، ما مكنها سريعًا من أن تصبح «مصنع العالم» بتصدير منتجات منخفضة التكلفة. ساهم هذا النموذج في خلق قدرات إنتاجية هائلة، وزيادة الصادرات، وجذب استثمارات أجنبية مباشرّة.
هذا التحول الصناعي لم يكن هدفًا في حد ذاته، بل كان الخطوة الأولى على طريق تراكم الموارد والتجارب والإمكانات التي ستُمكّن الصين من الانتقال إلى مراحل أعلى بكثير.
إعلاء العلم: الجامعات في قلب الاستراتيجية الوطنية، اتجهت القيادة الصينية إلى جعل الجامعات ومراكز البحث العلمي في قلب خططها الوطنية. تم توجيه استثمارات ضخمة في التعليم العالي والبحث العلمي لتعزيز القدرات الابتكارية، وتكوين قاعدة معرفية متقدمة.
نتيجة ذلك، استطاعت جامعات صينية مثل جامعة تسينغهوا وجامعة بكين وغيرها أن تحتل مراكز متقدمة في التصنيفات العالمية، وتعزز من قوة الصين في سوق البحث العلمي على مستوى العالم.
من التقليد إلى الابتكار: التحول النوعي في الإنتاج، مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة، لم تعد الصين تكتفي بتقليد المنتجات الأجنبية، بل بدأت تطويرها فنيًا وتقنيًا، واستثمار موارد ضخمة في البحث والتطوير (R&D). فبحلول عام 2023، اقترب الإنفاق الصيني على البحث والتطوير من نظيره في الولايات المتحدة، مما يدل على تركيز استراتيجي نحو الابتكار.
اليوم، لا تملك الصين فقط قوة إنتاج، بل قوة ابتكار في مجالات عدة منها الذكاء الاصطناعي، 5G، الطاقة النظيفة، والمواد المتقدمة، ما جعلها شريكًا لا يمكن تجاهله في التكنولوجيا العالمية.
الانفتاح الاقتصادي: جسور نحو العالم، كان الانفتاح الاقتصادي، منذ الإصلاحات بعد 1978، حجر زاوية في نجاح الصين. فمن خلال العضوية في الحركة التجارية العالمية واستراتيجيات الانفتاح، أصبحت السلع الصينية موجودة في كل أسواق العالم.
أدى هذا الانفتاح إلى استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، نقل المعرفة، وتعزيز سلاسل القيمة العالمية، مما مكن الصين من الاندماج في الاقتصاد الدولي دون التخلي عن سيادتها واستراتيجياتها الخاصة.
تكنولوجيا جديدة ومواد متقدمة، صناعة المستقبل، لا يقتصر تقدم الصين على البرامج البحثية في جامعاتها فقط، بل امتد إلى قطاع الصناعة نفسه، حيث أصبحت الشركات الصينية منافسة في تصنيع المواد المتقدمة والتقنيات العالية، من شبكات الاتصالات الفائقة إلى بطاريات الطاقة الكهربائية والمركبات الذكية.
ولم يعد الابتكار مجرد فكرة، بل أصبح سلوكًا مؤسسيًا وثقافة وطنية تدعمها سياسات واضحة واستثمارات مستدامة.
ارتفاع دخل المواطن وتأثير النمو الاقتصادي، السمة اللافتة في التجربة الصينية، إلى جانب الابتكار، هي تحسين مستوى معيشة المواطن. مع النمو الاقتصادي المتسارع، ارتفع متوسط دخل الفرد بشكل ملحوظ، ما عزز الطلب المحلي، شجع الاستهلاك، وخلق طبقة وسطى قوية مؤيدة لمزيد من التحول الاقتصادي والاجتماعي.
هذا النمو في الدخل لا يعتبر مجرد نتيجة ثانوية، بل عنصرًا مهمًا في دائرة التنمية الذاتية التي شملت قطاع التعليم، الصحة، والرفاه الاجتماعي.
رحلتي إلى الصين: بكين، ووهان، وجوانزو – دروس واقعية، شهادتي من زياراتي إلى مدن بكين، ووهان، وجوانزو تؤكد ما تقوله الإحصاءات: في بكين، تجد الجامعات ومراكز البحث العلمي في قلب الحياة الحضرية والاقتصادية؛ في ووهان، تبرز الكثافة الصناعية المعتمدة على تكنولوجيا المعلومات والابتكار؛ أما في جوانزو، فالأفق الاقتصادي والتجاري واسع، مع شبكات إنتاج وتصدير متقدمة تربط السوق المحلي بالعالمي.
هذه المدن ليست مجرد نقاط على الخريطة، بل نماذج حيّة لكيفية التحول من التقليد إلى الابتكار، ومن الانعزال إلى الانفتاح، ومن الاقتصاد الزراعي إلى التكنولوجيا المتقدمة.
وختاماً التجربة الصينية – نموذج متجدد، تجربة الصين في التحول من تقليد المنتجات إلى ريادة الابتكار العلمي والتكنولوجي هي إحدى أكبر قصص النجاح في القرن الحادي والعشرين. إنها ليست مجرد قصة نمو اقتصادي، بل رؤية وطنية متكاملة ترتكز على العلم، والجامعات، والتكنولوجيا، والانفتاح على العالم، وتحسين مستوى معيشة المواطن.
إن عنواننا «المجددون قادمون قادمون» لا يعبر فقط عن واقع الصين اليوم، بل عن مستقبل تُعيد فيه صياغة قواعد المنافسة العالمية في الابتكار والمعرفة.
#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




