كيف تحافظ الأمم على قوة دولها؟ بتعزيز مركزيتها، أم بتخفيفها؟ الإجابة، كما تكشف تجارب التاريخ، ليست واحدة تصلح للجميع.

حين ننظر إلى تجارب الأمم عبر التاريخ، نجد أن بعضها اختار تعزيز المركزية طريقا للبقاء، وبعضها اختار تخفيفها، ولكل حالة أسبابها الخاصة لا وصفتها العامة. فرنسا بعد ثورتها الكبرى احتاجت مركزية إدارية صارمة لتوحيد كيان كان مفتتا إقطاعيا قبلها. الصين حافظت على مركزيتها الشديدة كضمانة ضد تفكك تاريخي عرفته أكثر من مرة. وحتى الولايات المتحدة، في بداياتها الأولى، انتقلت من كونفدرالية هشة إلى فيدرالية أكثر مركزية، لأن النموذج الأول كاد يعصف بالدولة الوليدة اقتصاديًا وأمنيًا.
وفي المقابل، اختارت دول أخرى مسارًا معاكسًا: ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بنت فيدرالية مقصودة لتفادي تكرار تمركز السلطة الذي مهّد لصعود النازية، وإسبانيا منحت أقاليمها حكمًا ذاتيًا موسّعًا لتهدئة هويات كانت مكبوتة عقودًا.
القاسم المشترك بين كل هذه التجارب الناجحة، سواء اتجهت نحو المركزية أو ابتعدت عنها، أنها لم تكن تقليدًا لنموذج جاهز، بل قراءة دقيقة لطبيعة كل شعب وتاريخه ونسيجه الاجتماعي. أما حين غاب هذا الفهم، جاءت النتائج مغايرة تمامًا: يوغوسلافيا تفككت رغم فيدراليتها الشكلية، ودول عديدة ورثت أنظمة حكم من عصر الاستعمار لم تناسب تركيبتها القبلية أو الطائفية، فانزلقت إلى الاضطراب أو الحكم الفردي.

مصر ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل هي من أوضح الأمثلة عليها. فمركزيتها التاريخية لم تكن يومًا اختيارًا سياسيًا عابرًا، بل نتاج جغرافيا فرضت نفسها منذ فجر التاريخ: نهر واحد، يمتد آلاف الكيلومترات، تتوقف عليه حياة الجميع، ولا يستقيم أمره إلا بإدارة موحدة لمياهه وزراعته وحدوده. هذا ما جعل الدولة المصرية القديمة، منذ عصر الوحدة الأولى، تنحو نحو مركزية إدارية قوية لم تكن ترفًا بل ضرورة وجود.
لكن اللافت أن هذه المركزية لم تكن يومًا مطلقة أو جامدة. فمنذ أقدم عصورها، عرفت مصر نظام “حكام الأقاليم”، بصلاحيات محلية حقيقية ضمن إطار الدولة الموحدة. وهو نمط استمر بأشكال متفاوتة عبر العصور الإسلامية والعثمانية وصولًا إلى نظام المديريات ثم المحافظات في العصر الحديث. أي أن مصر، عبر آلاف السنين، لم تمارس “مركزية مطلقة” ولا “لا مركزية كاملة”، بل ابتكرت لنفسها نموذجها الخاص: مركزية مُدارة محليًا، متوازنة بحكم التجربة لا بحكم النظرية.

النقاش الدائر حاليًا داخل مجلس النواب حول قانون الإدارة المحلية الجديد يعكس هذا التوتر التاريخي بوضوح. فبين مشروع الحكومة، ومشروعات نواب مختلفين تقترح هياكل إدارية جديدة كـ”المقاطعات”، تبرز مشروعات حزب العدل — الأول للإدارة المحلية الذي قدّمه النائب حسام الخشت، والثاني للمجالس المحلية الذي تقدمت به النائبة سحر عتمان — بوصفها الأقرب لروح الفكرة التي ندافع عنها هنا.
فما يميز هذين المشروعين ليس مجرد إعادة توزيع الأسماء والتسميات الإدارية، بل تفويض فعلي للسلطات التنفيذية والمالية للوحدات المحلية، مقرون بتفعيل موازٍ لمجالس محلية منتخبة تمارس رقابة حقيقية، لا شكلية. وهذا بالضبط جوهر “المركزية المُدارة محليًا” التي عرفتها مصر تاريخيًا: مركز قوي يمنح الأطراف صلاحية حقيقية في إدارة شؤونها اليومية، مع بقاء الرقابة والمساءلة حاضرة عبر تمثيل شعبي فعلي لا معيّن.

غير أن الإنصاف للنسيج الوطني لا يعني التراخي في اتخاذ القرار. فمنظومة الإدارة المحلية في مصر تنتظر قانونًا جديدًا منذ تعديل دستور 2014، وتراكمت خلال هذه السنوات أكثر من ثمانين جلسة نقاش داخل اللجان البرلمانية من غير حسم يُذكر. هذا التعثر المزمن ليس دليل حرص على الدقة بقدر ما هو عبء إضافي على المواطن الذي تتأخر عنه خدمات يومية أساسية — من الكهرباء والمياه إلى الطرق والنظافة — بانتظار تشريع لم يُحسم بعد.
المطلوب إذن ليس الاختيار بين النقاش المجتمعي العميق والحسم الإداري السريع، بل الجمع بينهما: حوار وطني حقيقي يستوعب خصوصية كل إقليم ونسيجه، تُدار مساراته الزمنية بجدية وحزم، لا أن تتحول المشاورة نفسها إلى أداة لتعطيل القرار وتمديد أمد الانتظار.

قانون المحليات المصري، إذن، لا ينبغي أن يُكتب بعين على تجارب الآخرين فحسب، بل بعين أعمق على تاريخنا نحن؛ ذلك التاريخ الذي جرّب المركزية والتفويض المحلي معًا لآلاف السنين، ووصل فيهما إلى توازن يستحق أن يُقرأ ويُستأنف، لا أن يُستبدل بنموذج مستورد لا يعرف عن النيل ولا عن أهله شيئًا. وهذا بالتحديد ما تقترب منه مشروعات حزب العدل، حين تجمع بين تفويض حقيقي للسلطة المحلية ورقابة شعبية فعلية — لكن يبقى الشرط الأخير: أن يُترجم هذا الفهم إلى خطوات ، لا أن يبقى أسير طاولات النقاش .