لم تعد مواجهة التطرف والعنف مسؤولية أمنية فقط، بل أصبحت قضية تحتاج إلى وعي فكري وثقافي واجتماعي. فالتطرف لا يبدأ دائمًا بسلوك واضح أو فعل عنيف، لكنه قد يبدأ من فكرة مغلقة، أو شعور بالعزلة، أو ضعف في الحوار، أو إحساس بعدم الانتماء. ومن هنا تظهر أهمية الفن والثقافة كوسيلتين مهمتين في حماية المجتمع من جذور التطرف والعنف قبل أن تتحول إلى سلوك مؤذٍ.
الثقافة بمعناها الواسع ليست مجرد معرفة معلومات أو قراءة كتب، بل هي قدرة الإنسان على الفهم والتحليل والتمييز. فالشخص المثقف لا يكتفي بتلقي الأفكار كما هي، بل يسأل ويفكر ويناقش ويقارن بين الآراء والمصادر. وهذه القدرة على التفكير النقدي تمثل حاجزًا مهمًا أمام الأفكار المتطرفة، لأن التطرف يعتمد غالبًا على التلقين، ورفض الاختلاف، وتصوير العالم في شكل صراع دائم بين طرفين: “نحن” و“هم”. وكلما زادت قدرة الإنسان على التفكير، أصبح أقل قابلية للانخداع بالشعارات العنيفة أو الخطابات التي تزرع الكراهية والخوف.
وهذا الدور أصبح أكثر أهمية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصل المعلومات بسرعة كبيرة، وقد تنتشر الشائعات والمحتويات المحرضة بسهولة بين الشباب. لذلك فإن نشر الثقافة لم يعد هدفه زيادة المعرفة فقط، بل أصبح وسيلة لحماية العقل من التلاعب والتوجيه الخاطئ. فالشاب الذي يتعلم كيف يفكر ويحلل، يكون أقدر على مقاومة الأفكار المتطرفة التي تقدم له إجابات سهلة ومغلقة لقضايا معقدة.
أما الفن، فله تأثير خاص لأنه يصل إلى الناس بطريقة قريبة من مشاعرهم وحياتهم اليومية. فالسينما، والمسرح، والرواية، والموسيقى، والرسم، تستطيع أن تناقش قضايا مثل العنف، والتنمر، والتعصب، والتمييز، بطريقة مؤثرة وغير مباشرة. أحيانًا ينجح عمل فني في توصيل رسالة إنسانية أكثر من محاضرة طويلة، لأنه يجعل الإنسان يرى المشكلة من خلال قصة وشخصيات ومواقف قريبة منه.
كما يساعد الفن على تنمية التعاطف، وهو عنصر مهم في مواجهة العنف. فعندما يرى الإنسان معاناة شخص مختلف عنه في الظروف أو الفكر أو الخلفية الاجتماعية، يصبح أكثر قدرة على فهمه بدلًا من الحكم عليه بسرعة. وهذا يقلل من القسوة ورفض الآخر، لأن كثيرًا من العنف يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن رؤية الآخر كإنسان له مشاعر وحقوق.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الفن يوفر للشباب مساحة آمنة للتعبير. فكثير من الشباب يمرون بمشاعر غضب أو إحباط أو عدم تقدير، وإذا لم يجدوا وسيلة صحية للتعبير، قد يتحول هذا الضغط إلى عزلة أو سلوك عنيف أو انجذاب إلى أفكار سلبية تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالقوة أو الانتماء. لذلك يمكن لأنشطة مثل المسرح، والرسم، والكتابة، والموسيقى، والتصوير، وصناعة الأفلام، أن تساعد الشباب على تحويل طاقتهم إلى إبداع ومشاركة.
ولا يمكن تجاهل دور المدرسة والجامعة في هذا المجال. فالاهتمام بالفنون، والمسرح، والموسيقى، والقراءة الحرة، والأنشطة الطلابية، يساعد على بناء شخصية قادرة على الحوار، وتقبل النقد، واحترام الرأي المختلف. وهذه المهارات لا تقل أهمية عن المواد الدراسية، لأنها تعلم الطالب كيف يتعامل مع الخلاف دون عنف أو تعصب.
كذلك يلعب الإعلام والمنصات الرقمية دورًا كبيرًا في تشكيل وعي المجتمع. لذلك نحتاج إلى محتوى ثقافي وفني قريب من الشباب، يناقش قضاياهم الحقيقية مثل التنمر، والعنف الأسري، والإدمان، وخطاب الكراهية، بأسلوب بسيط وجذاب. فالثقافة يجب ألا تظل محصورة في القاعات أو المناسبات الرسمية، بل يجب أن تصل إلى الناس في المدن والقرى، وفي المدارس ومراكز الشباب والنوادي، ومن خلال الإنترنت أيضًا.
ولكي يكون دور الفن والثقافة فعالًا، يجب دعم المكتبات العامة، وقصور الثقافة، والورش الفنية، والمسرح المدرسي، والمعارض، والمبادرات الشبابية. كما يجب تشجيع المواهب الجديدة، وربط الأنشطة الثقافية بمشكلات المجتمع اليومية، حتى يشعر الناس أن الثقافة قريبة منهم وتعبر عن حياتهم.
في النهاية، يمكن القول إن الفن والثقافة يمثلان خط دفاع حقيقيًا في مواجهة التطرف والعنف، لأنهما يعملان على بناء وعي الإنسان من الداخل. فالمجتمع الذي يفتح أبواب المعرفة والإبداع أمام أفراده، يكون أكثر قدرة على الحوار، وأكثر احترامًا للاختلاف، وأكثر استعدادًا لمواجهة الأفكار السلبية بطرق هادئة وفعالة.
وبقدر ما نهتم بالفن والثقافة، نحمي مجتمعنا من العنف والتطرف


