الرئيسيةمقالات العدلماهيتاب عبدالسلامماهيتاب عبدالسلام تكتب: الثقافة مشروع دوله لا مجرد فعاليات

ماهيتاب عبدالسلام تكتب: الثقافة مشروع دوله لا مجرد فعاليات

في كل مرحلة انتقالية تمر بها الأمم، تكون الثقافة هي المرآة التي تعكس حجم التحول وعمقه. فهي عنصرًا حاسمًا في بناء الإنسان القادر على الفهم والنقد والاختيار. ومن هنا، فإن أي تغيير في قيادة المشهد الثقافي يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: كيف يمكن تحويل الثقافة من نشاط محدود التأثير إلى طاقة مجتمعية حقيقية تسهم في تشكيل وعي المجتمع

تولي الدكتورة جيهان زكي مسؤولية وزارة الثقافة يأتي في توقيت دقيق تتشابك فيه التحديات الفكرية مع التحولات المجتمعية والاقتصادية. فالمشهد الثقافي لم يعد ثابتًا أو تقليديًا، بل يعيش حالة من إعادة التشكل المستمر تحت تأثير التكنولوجيا وتبدل أولويات الأجيال. في هذا السياق، تصبح الوزارة أكثر من مؤسسة إدارية؛ تتحول إلى مساحة لصياغة الوعي العام، وحماية الهوية، وفتح آفاق جديدة للإبداع. من هنا تبدأ أهمية المرحلة، حيث يتجاوز الدور حدود التنظيم إلى بناء رؤية ثقافية قادرة على مواكبة العصر وصناعة تأثير حقيقي في حياة الناس

المشهد الثقافي المصري مركّب ومزدحم بالملفات المؤجلة. المؤسسات الثقافية التقليدية، وعلى رأسها قصور الثقافة والمكتبات والمراكز الفنية،. هذه المؤسسات تمتلك انتشارًا جغرافيًا واسعًا، لكنها تحتاج إلى ضخ دماء جديدة في أنشطتها وآليات عملها. الترميم المادي خطوة ضرورية، غير أن الترميم الفكري أكثر إلحاحًا. تحديث المحتوى، فتح المجال أمام الطاقات الشابة، وربط الأنشطة باحتياجات المجتمع الفعلية، كلها عناصر تعيد لهذه المؤسسات دورها كمراكز إشعاع حقيقي لا كمبانٍ تؤدي واجبًا روتينيًا.التحدي يكمن في إعادة تشغيل هذه المؤسسات بعقلية معاصرة فالثقافة حين تنفصل عن الواقع تتحول إلى نشاط شكلي، وحين تلامس تفاصيل الحياة تصبح قوة ناعمة فاعلة.هناك أيضًا العلاقة بين المركز والأقاليم. القاهرة لطالما احتكرت المشهد الثقافي، بينما تحتاج المحافظات إلى عدالة ثقافية حقيقية. توزيع الفعاليات، دعم المواهب المحلية، اكتشاف الطاقات في القرى والمناطق الحدودية، كلها خطوات تعيد الثقة في أن الثقافة حق للجميع لا امتياز للبعض. العدالة الثقافية هنا ليست شعارًا، بل ممارسة تعيد رسم الخريطة.

ثم يأتي تحدي الأجيال الجديدة، جيل “ألفا” و”Z”هذه الأجيال التي لم تعد تتلقى المعرفة من المسرح أو الكتاب وحدهما، بل من شاشة صغيرة تختصر العالم كله. هذا التحول لا يحتمل خطابًا تقليديًا. المطلوب هو ضرورة إنتاج خطاب ثقافي جديد، لا يعادي التكنولوجيا ولا يتركها بلا توجيه. و أن تتحول المنصات الرقمية إلى أدوات بناء، وأن تصبح البرامج الثقافية أكثر مرونة، قادرة على التفاعل السريع، وقريبة من اهتمامات الشباب ولغتهم البصرية. نجاح الوزارة في هذا الملف سيعني أنها استطاعت نقل الثقافة من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة

الهوية الوطنية أيضا تمثل ملفًا بالغ الحساسية. في زمن العولمة السريعة، تتعرض الهويات لاختبارات متتالية، ويصبح الحفاظ عليها عملية توازن دقيقة بين الانفتاح والحماية. الوزيرة مطالبة بتعزيز الانتماء دون انغلاق، وبحماية الخصوصية دون عداء للعالم. الثقافة المصرية تاريخ طويل من التفاعل والتأثير والتأثر، ومن الخطأ اختزالها في قالب جامد. إعادة تقديم هذا التاريخ بروح معاصرة هو عمل يحتاج إلى رؤية فكرية قبل أن يحتاج إلى ميزانية.

الملف الإقتصادي لا يقل أهمية،لذا يجب التفكير في الثقافة بوصفها قوة إنتاجية.الصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت في العالم مصدر دخل حقيقي و فرص عمل واسعة. السينما، والمسرح، والفنون البصرية، والنشر، والحرف التراثية، كلها مجالات قادرة على خلق اقتصاد موازٍ إذا أُديرت بعقلية استثمارية رشيدة. الانتقال من مفهوم الدعم إلى مفهوم التنمية هو أحد التحولات المطلوبة، بحيث تصبح الثقافة منتِجة لا مستهلكة .

المرحلة المقبلة تتطلب إدارة تمتلك الحس الأكاديمي والخبرة الميدانية معًا. الثقافة لا تُدار بالقرارات وحدها، بل بالاستماع إلى المثقفين والفنانين والعاملين في الحقل الثقافي، وفتح قنوات حقيقية للمشاركة. الشفافية، وتبني معايير واضحة للدعم والاختيار، وإبعاد الصراعات الشخصية عن المشهد، كلها عناصر تعيد الهيبة للمؤسسة الثقافية.

تحديات الوزيرة الجديدة ليست بسيطة، لكنها أيضًا ليست مستحيلة. النجاح لن يُقاس بعدد الفعاليات، بل بمدى تغير العلاقة بين الناس والثقافة. حين يشعر المواطن أن المسرح يشبهه، وأن الكتاب يمسه، وأن المعرض الفني يعكس قلقه وأحلامه، تكون الوزارة قد أدت دورها الحقيقي. الثقافة في النهاية ليست مباني ولا مهرجانات، بل صناعة وعي و مجتمع قادر على التفكير.

وزارة الثقافة ليست مجرد جهاز إداري، بل منصة لإعادة تشكيل الوعي ،فإن استطاعت الوزارة أن تجعل الثقافة أقرب إلى الناس وأكثر حضورًا في تفاصيل حياتهم، تكون قد نجحت في تحويل التحديات إلى بداية جديدة لصناعة وعيٍ يليق بمصر وتاريخها… #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة