يشهد الاقتصاد المصري في المرحلة الراهنة حالة معقدة من “الركود التضخمي”، وهي من أخطر الظواهر الاقتصادية التي تجمع بين ارتفاع الأسعار وتراجع معدلات النمو في آنٍ واحد. وتأتي هذه الحالة نتيجة مباشرة للتغيرات الجيوسياسية المتسارعة في الإقليم، حيث تحيط بمصر صراعات مسلحة على محاورها الاستراتيجية الأربعة، إلى جانب التداعيات المتصاعدة للحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، وما تفرضه من ضغوط على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة العالمية.
انعكست هذه الأوضاع على الداخل المصري بوضوح، حيث شهدت أسعار السلع والخدمات ارتفاعات متتالية، تزامن معها تراجع ملحوظ في القوة الشرائية للمواطنين، وهو ما أدى إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع العقارات، فضلًا عن القطاعات المرتبطة بالاستيراد، التي تأثرت بشدة نتيجة تحرك سعر الدولار وزيادة تكلفة الواردات.
وفي ظل هذه الظروف، يواجه الاقتصاد المصري ضغوطًا هيكلية متشابكة، أبرزها تراجع إيرادات قناة السويس، وارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، إلى جانب خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، وهو ما ينعكس سلبًا على قيمة الجنيه ويغذي موجات التضخم، رغم جهود الدولة في تعزيز الاستقرار الاقتصادي من خلال تنويع الشراكات الدولية وجذب الاستثمارات.
وقد لجأت الحكومة إلى عدد من الإجراءات التقشفية لمواجهة هذه التحديات، مثل تقليل استهلاك الطاقة وإغلاق المحال في أوقات مبكرة، إلا أن نجاح هذه السياسات يظل مرهونًا بمدى شعور المواطن بأن الدولة تشاركه بالفعل أعباء الأزمة. فالإصلاح الاقتصادي لا يكتمل دون عدالة في توزيع التضحيات.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى أن تبدأ الحكومة بنفسها، عبر تقليص نفقات السفر الرسمي، والحد من المؤتمرات والاحتفالات غير الضرورية، ومراجعة مخصصات الوقود للجهات الحكومية، فضلًا عن إعادة النظر في التوسع في التعاقد مع المستشارين، والابتعاد عن أي مظاهر للبذخ الإداري.
كما يتطلب الوضع الراهن تبني حزمة متكاملة من الإجراءات الاحترازية، في مقدمتها تعزيز الأمن الغذائي وضبط الأسواق لضمان توافر السلع الأساسية بأسعار مناسبة، إلى جانب توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتحسين الأجور والمعاشات بشكل يتناسب مع معدلات التضخم، ودعم القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسي للنمو.
وفي السياق ذاته، يصبح من الضروري تحقيق توازن في تسعير الطاقة والسلع بما يراعي البعد الاجتماعي، مع تأجيل المشروعات غير العاجلة التي تعتمد بشكل كبير على المكون الأجنبي، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام لصالح قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وأخيرًا، فإن الإعلان المرتقب عن زيادة الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون على قدر التحدي، بحيث يمثل زيادة حقيقية تعكس الارتفاع الكبير في الأسعار، وتمنح المواطن إحساسًا فعليًا بتحسن مستوى معيشته، لا مجرد أرقام لا تواكب الواقع.
#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل#حزب_العدل




