الرئيسيةمقالات العدلعبد العزيز الشناويعبدالعزيز الشناوي يكتب: ترام الرمل… حين يُهدم التاريخ باسم التطوير في الإسكندرية!

عبدالعزيز الشناوي يكتب: ترام الرمل… حين يُهدم التاريخ باسم التطوير في الإسكندرية!

هل يمكن أن يُباع تاريخ مدينة كخُردة؟!

وما الذي يحدث حين يُتخذ قرار بهذا الحجم دون نقاش مجتمعي مع أهل الإسكندرية؟!

يبدو جلياً أن مشروع إحلال وتجديد وتطوير ترام الرمل في الإسكندرية كان يحتاج إلى نقاش مجتمعي لم يتم. فلا يُعقل أن تقوم حكومة أو إدارة محلية بتنفيذ مشروع بهذا الحجم يتأثر به ملايين المواطنين دون استطلاع رأي المجتمع فيه، ودون مراعاة الأثر الاجتماعي لهذا المشروع. وهذا هو المنطقي والطبيعي والمتوافق مع دستور هذا البلد.

بصفتي من مواطني الإسكندرية، ولدي تطلعاتي المشروعة في الحفاظ على مرفق ترام الرمل لما يمثله من بُعد تاريخي وتراثي للثغر، فإن ما يجري الآن يثير القلق، حيث نشهد هدماً كاملاً للمرفق وبناء شيء آخر جديد لا يمت للتاريخ السكندري بصلة، وليس تطوير لما هو قائم بالفعل. هو هدم للقديم وبناء آخر جديد لا علاقة بين الإثنين. إنه مشروع يحول هذا التراث العريق إلى كتل خرسانية بلا روح ولا ذاكرة.

ثم يأتي الأمر الأكثر إثارة للتساؤلات، وهو ما جرى من عملية فك ونقل وبيع كل ما يتعلق بهذا المرفق (١٢٢ عربة ترام، وآلاف الأمتار من القضبان الحديدية، وآلاف الأمتار من الكابلات النحاسية، إضافة إلى كامل الورش والمعدات)، وكل ذلك بمبلغ لا يتجاوز ١٧٦ مليون جنيه فقط، وهو رقم يثير علامات استفهام كبيرة إذا ما قورن بحجم وقيمة هذه الأصول، فضلاً عن تجاهل البُعد الثقافي والتاريخي لهذا المرفق الذي تعود بدايته إلى عام ١٨٦٠، ويتم التعامل معه الآن وكأنه مجرد خُردة!

وهنا يطرح سؤال مشروع نفسه: أين موقف الجهات المعنية بالحفاظ على التراث؟ وأين دور الجهات المختصة بالتنسيق الحضري في مدينة بحجم وقيمة الإسكندرية؟ لا أحد يعلم!

كما أن ما يثير التساؤل أيضاً أن عملية البيع تمت من خلال الهيئة القومية للأنفاق رغم أن المرفق تاريخياً كان تابعاً وتديره وتمتلكه الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية، وهو ما يستدعي توضيحاً رسمياً للرأي العام حول الإطار القانوني الذي تم على أساسه نقل ملكية هذه الأصول ثم بيعها، وكيف جرى ذلك، وبأي سند قانوني؟!

ثم إن ما يجري من استباق الدعوى القضائية المرفوعة أمام القضاء الإداري، والإسراع اللافت في إزالة المرفق قبل الفصل في الدعوى، يثير بدوره الريبة أيضاً. فنحن نؤمن بأن مصر دولة قانون، وكان من الواجب على الجهات التنفيذية أن تكون أول من يلتزم باحترام أحكام القضاء وينتظر كلمته، بدلاً من فرض الأمر الواقع بهذا الشكل الذي لا يليق بتصرفات حكومية في دولة حديثة.

إننا أمام حالة تثير الريبة وتفتح باب التساؤلات لدى كل سكندري يرى تاريخه يُطمس أمام عينيه ويباع كخُردة، بينما كان من الممكن تطوير المرفق والحفاظ على طابعه التاريخي في الوقت نفسه.

نحن إزاء هدم وإزالة أحد أقدم خطوط الترام على مستوى العالم؛ إذ يُصنَّف كثاني أقدم خط ترام في العالم، والأقدم في أفريقيا والشرق الأوسط، كما أنه أطول خط ترام يمر داخل مدينة واحدة، ويضم وحدات ذات طابقين من الوحدات النادرة التي ما زالت تعمل في ثلاث مدن فقط حول العالم (الإسكندرية، وليفربول، وهونج كونج).

إننا نؤيد التطوير بلا شك، لكننا نرفض وبوضوح أن يتم ذلك على حساب هوية الإسكندرية وتاريخها. ونطالب بالحفاظ على الطابع التاريخي لهذا المرفق، كما فعلت العديد من المدن العالمية التي طورت شبكات الترام لديها دون أن تفقد روحها وهويتها، مثل (برلين، وأمستردام، وبروكسل، وميلانو، وهلسنكي، ولشبونة، وبودابست في أوروبا، وكذلك شيكاغو، وبوسطن، و ولوس أنجلوس في أمريكا).

الحفاظ على التاريخ والهوية الثقافية ليس رفاهية، بل هو حق للمجتمع وحق للأجيال القادمة في تراثها الذي لا يملك أحد مشروعية التفريط فيه أو طمسه.

عبد العزيز الشناوي

رئيس المكتب السياسي لحزب العدل #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة