الرئيسيةمقالات العدلراندا خالد تكتب: إثيوبيا بين صعود ديبراصيون وتعقيدات المرحلة.. هل تدخل أديس...

راندا خالد تكتب: إثيوبيا بين صعود ديبراصيون وتعقيدات المرحلة.. هل تدخل أديس أبابا منعطفًا جديدًا؟

تشهد إثيوبيا مرحلة سياسية شديدة الحساسية، في ظل تصاعد التوترات الداخلية، واستمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية، بالتزامن مع التحولات التي تشهدها الأقاليم الإثيوبية المختلفة، وعلى رأسها إقليم تيجراي الذي عاد إلى واجهة المشهد مجددًا مع صعود ديبراصيون جبرمكائيل ونجاحه السياسي الأخير داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، في خطوة تحمل رسائل تتجاوز حدود الإقليم، وتمثل تحديًا واضحًا لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

فنجاح ديبراصيون لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تطور داخلي داخل تيجراي، بل هو انعكاس لحالة الرفض المتزايدة داخل قطاعات واسعة من التيجراي تجاه سياسات التسوية التي قادتها الحكومة الفيدرالية بعد اتفاق بريتوريا، خاصة مع استمرار الاتهامات بأن الاتفاق لم يحقق العدالة الكاملة للإقليم، ولم ينهِ معاناة السكان أو يعالج آثار الحرب التي خلفت دمارًا واسعًا وخسائر إنسانية ضخمة.

ويبدو أن عودة ديبراصيون إلى الواجهة تعكس رغبة داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي في استعادة خطابها التقليدي القائم على الهوية السياسية والتنظيمية الصلبة، بعيدًا عن محاولات الاحتواء التي قادتها أديس أبابا خلال الفترة الماضية.

كما أن هذه العودة تحمل رسالة مباشرة مفادها أن تيجراي لم يخرج بالكامل من المعادلة السياسية، وأن الإقليم لا يزال يمتلك أدوات التأثير والمناورة داخل المشهد الإثيوبي المعقد.

وما يجري داخل إثيوبيا اليوم يكشف حجم الأزمة البنيوية التي تواجهها الدولة منذ سنوات، فالصراع لم يعد فقط بين الحكومة الفيدرالية وبعض الأقاليم، بل أصبح أزمة مرتبطة بطبيعة النظام السياسي نفسه، القائم على التوازنات العرقية والإثنية، وهي معادلة أثبتت هشاشتها مع كل اختبار سياسي أو أمني.

كما أن التطورات الأخيرة تؤكد أن الحكومة الإثيوبية لا تزال تواجه صعوبة حقيقية في فرض حالة الاستقرار الداخلي، رغم محاولات تقديم صورة خارجية توحي بقدرة الدولة على تجاوز الأزمات.

فالتوترات في أمهرة، والانقسامات داخل تيجراي، والتحديات الأمنية في أوروميا، جميعها تشير إلى أن إثيوبيا تمر بمرحلة إعادة تشكل سياسي قد تستمر لسنوات.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الحسابات الإقليمية المرتبطة بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، خاصة أن أي اضطراب داخلي في إثيوبيا ينعكس بشكل مباشر على الأمن الإقليمي، سواء فيما يتعلق بالحدود، أو ملفات النزوح، أو التوازنات العسكرية والسياسية في المنطقة.

وفي تقديري، فإن صعود ديبراصيون يمثل ضربة سياسية لحكومة آبي أحمد أكثر من كونه مجرد انتصار داخلي لتيجراي، لأنه يعكس فشل الرهان على تفكيك الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي أو إنهاء نفوذها السياسي بالكامل.

كما أن المشهد الحالي يكشف أن إثيوبيا لم تنجح بعد في بناء توافق وطني حقيقي بين مكوناتها المختلفة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب خلال المرحلة المقبلة.

لكن في المقابل، لا تزال هناك فرصة أمام الدولة الإثيوبية لتجنب سيناريوهات الانفجار الكامل، إذا اتجهت نحو حوار سياسي شامل يضمن مشاركة حقيقية للأقاليم المختلفة، بعيدًا عن سياسة الإقصاء أو فرض الأمر الواقع، فاستمرار الصراعات الداخلية لن يهدد إثيوبيا وحدها، بل سيؤثر على استقرار منطقة القرن الإفريقي بأكملها.

وفي النهاية، فإن المشهد الإثيوبي اليوم يعكس حقيقة مهمة، وهي أن الاستقرار لا يمكن فرضه بالقوة العسكرية وحدها، ولا عبر التحالفات المؤقتة، بل من خلال مشروع سياسي قادر على استيعاب التنوع الإثيوبي المعقد، وحتى الآن، يبدو أن هذا المشروع لا يزال غائبًا، بينما تتزايد مؤشرات الانقسام داخل واحدة من أكثر دول إفريقيا حساسية وتأثيرًا في محيطها الإقليمي.

#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة