لم يعد ممكنًا التعامل مع الحرب الإيرانية الحالية باعتبارها جولة عابرة من جولات الصراع التقليدي في الشرق الأوسط، لأن ما نشهده هذة الأيام هو تصعيد يكشف بوضوح أن المنطقة لا تُدار فقط بحسابات القوة، بل تُدفع أيضًا بخطابات عقائدية تُستدعى في لحظات الحسم لتبرير قرارات سياسية بالغة البراجماتية.
في الداخل الإسرائيلي، تحكم التيارات المرتبطة بالصهيونية الدينية سيطرتها على الحكم، وهذه التيارات تنظر إلى الدولة باعتبارها تجسيدًا لرواية دينية وتاريخية كبرى، لا مجرد كيان سياسي حديث. ومن داخل هذا التصور، يصبح الصراع مع المحيط الخارجي للدولة ليس خيارًا سياسيًا، بل امتدادًا لحتمية عقائدية، تمهد الطريق لنزول المسيح الحقيقي وإقامة إسرائيل الكبرى، وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور بنيامين نتانياهو، الذي تتلاقى حساباته السياسية الشخصية مع هذا الخطاب، بما يدفع نحو تبني سياسات أكثر تصعيدًا، ليس فقط لأسباب استراتيجية، بل أيضًا لتجنب تكلفة داخلية تهدد مستقبله السياسي.
على الجانب الآخر من الأطلسي، تجد هذه الرؤية صدى لدى قطاعات من اليمين الديني في الولايات المتحدة، خاصة بعض التيارات الإنجيلية التي تربط بين ما يجري في المنطقة وسرديات نهاية الزمان. صحيح أن القرار الأمريكي تحكمه في جوهره مصالح استراتيجية واضحة، لكن وجود غطاء عقائدي يمنح هذا القرار مساحة أوسع للمخاطرة. ويظهر ذلك بوضوح في نموذج دونالد ترامب، الذي يتعامل مع السياسة بمنطق الصفقات السريعة، حيث تُقاس القرارات بحجم المكسب الآني، لا بقدرتها على تحقيق استقرار طويل المدى.
في المقابل، لا يمكن فهم سلوك إيران بعيدًا عن الإرث الذي خلفته الثورة الإيرانية 1979. فمنذ ذلك الحين، تبنّت طهران مفهوم “تصدير الثورة”، وبنت شبكة نفوذ إقليمي عبر حلفاء ووكلاء في أكثر من ساحة. هذا التمدد يخدم أهدافًا استراتيجية واضحة تتعلق ببناء عمق إقليمي وتعزيز الردع، لكنه يتقاطع أيضًا مع سردية عقائدية تُستدعى سياسيًا، خاصة ما يرتبط بفكرة التمهيد لعودة “المهدي المنتظر”. هنا، لا يُستخدم الدين كإيمان، بل كأداة تعبئة وتبرير لسياسات توسعية.
في قلب هذا المشهد المتأجج، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فهي لا تنظر إلى إيران فقط كخصم إقليمي، بل كقوة تحمل تصورًا عابرًا للحدود للحكم والنفوذ، يقوم على فكرة “تصدير الثورة”، بما يفتح الباب أمام احتمالات التدخل في الشؤون الداخلية. ومن هنا، يصبح الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية خيارًا شبه حتمي لضمان الاستقرار.
لكن هذا الخيار يحمل تناقضًا جوهريًا. فهذه الدول، بينما تعتمد على الحماية الأمريكية، تدرك في الوقت نفسه أن التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي قد يجر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا تملك السيطرة على مآلاتها. وهنا يبرز السؤال الأخطر: ماذا لو لم تُحسم الحرب؟
إذا ضعفت إيران وسقط نظامها الحاكم، فقد تتحول إلى ساحة فوضى تُفرز كيانات مسلحة عابرة للحدود، على غرار نماذج سابقة في الإقليم. أما إذا خرجت من المواجهة دون ردع حقيقي، فقد تصبح أكثر اندفاعًا في توسيع نفوذها. بين هذين السيناريوهين، تجد دول الخليج نفسها أمام معضلة بلا حلول مريحة: الاستمرار في الارتهان للتحالف الأمريكي رغم تراجع اليقين، أو محاولة التهدئة مع خصم لا تثق في نواياه.
تزداد هشاشة هذه المعادلة مع دخول البنية التحتية الحيوية في دائرة الاستهداف، من منشآت الطاقة إلى محطات تحلية المياه وغيرها، في إطار منطق “العين بالعين” الذي تتبعه إيران، حيث تتحول القواعد العسكرية الأمريكية لدي دول الخليج إلى مبررات مباشرة لاستهداف سيادة هذه الدول وتوسيع نطاق الحرب.
الخطير في هذا النمط من الصراعات أنه لا يُدار بهدف الحسم، بل بهَدف إدارته واستمراره. فبقاء التهديد يبرر بقاء السلطة، واستمرار التوتر يخلق حاجة دائمة للزعامة. في هذه الحالة، لا يصبح السلام هدفًا، بل يتحول إلى تهديد حقيقي لمن يستمدون شرعيتهم من وجود الصراع نفسه.
هنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليست في وجود معتقدات دينية، ولا في سعي الدول إلى تحقيق مصالحها، بل في استخدام هذه المعتقدات كغطاء يمنح الصراع طابعًا قدريًا، ويُغلق الباب أمام أي تسوية عقلانية. فعندما تتحول النبوءات إلى أدوات سياسية، يصبح التراجع خيانة، ويغدو التصعيد هو الخيار الأسهل.
بهذا المعنى، لا يبدو الشرق الأوسط مجرد ساحة صراع، بل ساحة تُدار فيها الأزمات عمدًا. حيث تختلط الانتهازية السياسية بخطابات دينية متشددة، في معادلة لا تنتج استقرارًا، بل تُعيد إنتاج التوتر. وفي ظل هذه المعادلة، لا يدفع الثمن سوى المواطن العادي، الذي يتأثر بشدة، بينما يستمر الصراع؛ لأن من يديرونه لم يعد لديهم مصلحة حقيقية في إنهائه.
#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل




