الرئيسيةمقالات العدلإسراء أبو النصر تكتب: قراءة في وثيقة الدفاع الأمريكية لعام 2026

إسراء أبو النصر تكتب: قراءة في وثيقة الدفاع الأمريكية لعام 2026

هل سنشهد عودة سباق التسلح لمستويات الحرب الباردة ؟

في تحول هام لأولويات الولايات المتحدة الأمريكية، تقوم علي مبدأ “أمريكا أولاً”، تمثل في إعطاء الأولوية لواشنطن ونصف الكرة الغربي، في مقولة “علينا أن نختار حتي لا نضطر أن نقتال” والتي تتماشي مع الضربات العسكرية التي شنتها إدارة ترامب في فنزويلا ومساعيها لضم جرينلاند.

لم تعد الصين الشاغل الرئيسي لواشنطن، فعلي عكس وثائق الدفاع الاستراتيجية لأعوام 2018م حيث وصفت واشنطن بكين بأنها أكبر تهديد لأمريكا، وتكرر نفس التوجه في استراتيجية عام 2022م، إلا أنه في استراتيجية عام 2026م، فسيتم التعامل معاها دبلوماسياً وفقاً “للقوة لا المواجهة”، والوعد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة الوطنية، كتمهيد للقاء المرتقب بين ترامب والرئيس شي في أبريل المقبل، دون الإشارة إلي تايوان حليفة الولايات المتحدة والتي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها، وأهميتها كمهيمنة علي صناعة أشباه الموصلات الإلكترونية، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي.

وهو وعد يأتي بعد أربع إدارات متتالية من الافتراض الخاطئ بأن فتح الأسواق الأمريكية والأوروبية أمام الصين سيساعد في دمجها في “النظام الدولي القائم علي القواعد”، والتخلص من النظام الشيوعي الذي يحكمها، كما علي بكين أن تكون حذرة بشأن الإعلان عن “مبدأ مونرو” الجديد علي غرار القديم الذي يعود إلي القرن التاسع عشر، وهو ما يصب في اتجاه انسحاب الصين من أمريكا اللاتينية، وهيمنة الولايات المتحدة علي نصف الكرة الغربي كشرط لأمنها وازدهارها.

أما روسيا، وصفت الاستراتيجية موسكو انها “تهديد مستمر” ولكن يمكن للناتو السيطرة عليه، في دعوة من واشنطن لأوروبا بأخذ زمام المبادرة والدفاع عن أوكرانيا في وجه الغزو الروسي الذي دخل عامه الرابع، بدعم أمريكي حاسمٍ لكنه محدود. وأنه يمكن للناتو أن يقف أمام روسيا، إذا التزم برفع مستوي الإنفاق العسكري إلي 5% من الناتج المحلي، واستثمار 3.5% من الناتج المحلي في القدرات العسكرية، ما يضمن لهم وضع قوي للوقوف أمام روسيا.

فوفقاً لستراتيجية الدفاع الوطني لوزارة الدفاع الأمريكية لعام 2026م ، ستقدم واشنطن دعم حاسم لكنه محدود لحفائها، وهو ما يتماشي مع يدعو إليه الرئيس الأمريكي ترامب إلي تقاسم أكبر للأعباء، ورفضه “المثالية الطوباوية” وترحيبه بـ”الواقعية العملية”، في تحول للاهتمام بالمصالح العملية والتخلي عن الاستراتيجيات الطموحة . ما يعكس عن عجز الولايات المتحدة عن خوض صراعات كبري متزامنة في جبهات متعددة، وعودة الولايات المتحدة للتركيز علي ضمان الوصول إلي المواقع الاستراتيجية الحيوية (جريلاند ـ خليج المكسيك ـ قناة بنما).

وألقت واشنطن مسؤولية الأمن القومي للحلفاء علي عاتقهم، كإعادة تقييم مدفوعة بمحدودية الموارد وحجم التحديات، فأوروبا عليها أن تستقيظ، فهي تتضائل من حيث القوة الاقتصادية، وعليها أن تتحمل مسؤولية وكلفة الدفاع عن نفسها، وهو يتوافق مع خطاب نائب الرئيس الأمريكي فانس في مؤتمر ميونخ، ما يجعل الاستراتيجية الوطنية تضع حداً نهائياً للتشجيع وتلجأ لأسلوب الحزم في التعامل، يضاف إليها التوبيخ الأمريكي لأوروبا بشأن التدهور الثقافي، والنبرة المعادية للمهاجرين، ما يبرز تبنيه لخطاب الأحزاب اليمينية المتطرفة.

وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ “الأندو ـ باسيفك Indo – Pacific” ، تسعي واشنطن إلي تعزيز قوتها وتركيز القوات الأمريكية في المنطقة، ومنع الهيمنة الصينية، فأي سيطرة لأي قوة سيمنع الولايات المتحدة من الوصول إلي مركز الثقل الاقتصادي العالمي، ما سيرمي بتداعيات طويلة الأمد علي آفاق واشنطن الاقتصادية، أي أن الهدف الأمثل ضمان عدم تفوق أي قوة علي الولايات المتحدة في منطقة الأندو ـ باسيفك. كما أعلنت واشنطن أنها ستقيم دفاعات قوية تمتد من اليابات مروراً بتايوان وصولاً إلي بورينو وشبه جزيرة الملايو، ما يعني أستمرار تطويق الصين بالقواعد العسكرية الأمريكية.

أما كوريا الشمالية، فعلي عكس الاستراتيجيات الأمنية السابقة، تؤكد استراتيجية الأمن القومي لعام 2026م أن كوريا الجنوبية قادرة علي تحمل المسؤولية الرئيسية في ردع كوريا الشمالية بدعم أمريكي حاسم لكنه محدود، ما يعني تخلي واشنطن عن القيام بالدفاع الرئيسي وإنما ستكتفي بتقديم دعم محدود يتوقف علي قدرة كوريا الجنوبية علي سد العدوان من قبل جارتها الشمالية. ما يعكس رؤية ترامب حول استئناف الحوار الدبلوماسي مع الرئيس كيم جونغ أون.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، ستترك واشنطن مسؤولية ردع إيران ووكلائها إلي شركائها وحلفاؤها، خصوصاً بعد عملية “مطرقة منتصف الليل”، مع تأكيد واشنطن علي أن تل أبيب حليف مثالي، وأن الشركاء في الخليج العربي مضطلعون بتعميق التعاون والشراكة، ضمن إطار اتفاقية أبراهام وستلتزم الولايات المتحدة بالدفاع عن مصالحها في المنطقة.

أما أفريقيا، أختارت استراتيجية الأمن القومي دول أفريقية بعينها في إشارة للـ”الدول المحورية” الذي تبنته إدارة الرئيس بوش، والتي استكملها الرئيس أوباما في توسيع الوصول للطاقة، ما قد يشير إلي إصلاحات في قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA) والذي أنشئ في عهد إدارة كلينتون.

ما بين سباق السلطة والموارد والهوية، كيف نقارن بين استراتيجية الأمن القومي لترامب باستراتيجية بايدن؟

غاب الوضوع الاستراتيجي عن استراتيجية الأمن القومي لعام 2026م ، وإنما زخرت استراتيجية الأمن القومي لترامب بطريقة وصورة خطاب ترامب ووزيره دفاعه بيت هغسيث في الإشادة للعديد من إنجازات ترامب المزعومة لإعادة بناء الجيش الأمريكي كأقوي قوة قتالية في العالم، بينما لم تتضمن استراتيجية الأمن القومي، بايدن أي ملامح لبايدن أو وزير دفاع آنذاك لويد أوستن.

كما لم تشير استراتيجية الأمن القومي للعام 2026م إلي التغير المناخي كتهديد وجودي، علي عكس الاستراتيجية الصادرة في إدارة بايدن والتي تضمنت قسماً كاملاً عنها، وبينما تحدث استراتيجية بايدن عن الخطر المناخي في القطب الشمالي من حيث زيادة المطالب علي القوات المشتركة للاستجابة للكوراث ودعم السلطات المدنية ومحاولات تلافي تأثيرها علي العلاقات مع الحلفاء والشركاء.

لم تهتم استراتيجية الأمن القومي لترامب بأي مخاطر للتغير المناخي، وأولت الاهتمام أكثر لمشاكل الحدود والهجرة الغير شرعية، والسيطرة علي المناطق الحدودوية وضمان فرض الولايات المتحدة سيطرتها علي الممرات الاستراتيجية التي تضمن لها الازدهار.

تغفل الاستراتيجية الطريقة التي سيتمكن الرئيس ترامب من إلزام الشركاء المحتملين في حالة أن تم انتخاب رؤساء تعارض توجهات ترامب، لكن من الواضح أن الرئيس ترامب سيميل إلي استخدام ورقة التعريفات الجمركية كورقة ضغط للامتثال في قضايا المخدرات والهجرة.

وتركز الاستراتيجية علي أن الاقتصاد هو ورقة الرهان النهائية، بينما تراجعت الجغرافية السياسية إلي دور ثانوي، فدول منطقة الأندو ـ باسيفك تتحدد أهميتها من منطلق قدرتها علي مساعدة واشنطن علي كسب الصراع الاقتصادي مع الصين، وردع محاولات بكين التفوق في المنطقة.

والجدير بالذكر أن ترامب لم يحقق أي سلام أو إنهاء للحروب الثمانية التي قال بأنه أنها ( كوسوفو وصربيا ـ مصر وإثيوبيا ـ أرمينيا وأذربيجان ـ الهند وباكستان ـ إيران وإسرائيل ـ الهند وباكستان ـ كمبوديا وتايلاند ـ جمهورية الكونغو الديمقراطية وروندا) أو في (إسرائيل وحماس ـ روسيا وأوكرانيا ـ مجازر السودان).

باختصار لايزال أمام ترامب الكثير من الإصلاحات وقبل أن يُعرف بـ”صانع السلام”. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة