كان من المفترض أن تكون الأعياد والمناسبات محطات للراحة، وفرصًا لالتقاط الأنفاس، وتجديد الصِلات، وبثّ البهجة في النفوس.
لكنها – وبشكل متزايد – تحولت عند الكثيرين، بل عند أغلب الناس، إلى مصدر ضغط نفسي ومالي، بل وأحيانًا عبء ثقيل يبدأ قبل المناسبة ويستمر أثره بعدها.
أصبح الإنسان يسعى لشراء ما يفوق قدرته واحتياجاته، ويُجهّز ما لا يلزمه، ويُجاري مستوى إنفاق لا يتناسب مع دخله أو ظروفه.
فمع دخول شهر رمضان، تتحول البيوت إلى ساحات إعداد ولائم تفوق الطاقة، ثم نندفع لشراء أفخر أنواع الكعك والحلوى، لا لأننا بحاجة إليها، بل خوفًا من سؤال: “الناس هتقول علينا إيه؟”
وهكذا تحوّل جوهر المناسبات.
لم تعد الفكرة في الاحتفال ذاته أو إسعاد النفس والآخرين، بل أصبحت في كيف يبدو الاحتفال أمام الآخرين.
ومن هنا بدأ الانحراف الحقيقي؛ حين تحوّل الهدف من البهجة الصادقة إلى استعراض مُكلِف.
انتقلنا من فرحة بسيطة تربّينا عليها بين الأهل والأجداد، إلى مظاهر مُبالغ فيها هدفها الظهور والتفاخر.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، من أبرزها تغيّر القيم الاجتماعية؛
ففي الماضي، كانت قيمة المناسبة تُقاس بلمّة العائلة وصدق المشاعر، أما الآن فقد أصبح المظهر أهم من الجوهر.
كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في هذا التحول، حيث خلقت واقعًا افتراضيًا مُبالغًا فيه، يعرض حفلات ضخمة وهدايا باهظة وتجهيزات خيالية، مما يدفع الكثيرين لمحاولة تقليد ما يرونه، حتى وإن تجاوز ذلك قدراتهم، فقط حتى لا يشعروا – أو يُشعِروا أبناءهم – بأنهم أقل من غيرهم.
بل إن البعض لم يعد يكتفي بالتقليد، بل يسعى لإظهار ذلك على هذه المنصات للفخر والتباهي، خوفًا من النقد أو التقليل.
وفي مجتمع اجتماعي بطبيعته كالمجتمع المصري، تتحول فكرة “الناس هتقول علينا إيه” أحيانًا إلى ضغط نفسي هائل، قد يقود إلى الديون، بل وتفكك بعض الأسر.
ومع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ظهر تناقض واضح بين الواقع الاقتصادي ورغبة الإنسان في الظهور بمستوى أعلى، مما أدى إلى سلوك خطير: الإنفاق فوق القدرة لتعويض شعور داخلي بالنقص أو الضغط.
ويُضاف إلى ذلك غياب الثقافة المالية لدى الكثيرين، ومحاولة تقليد أنماط حياة لطبقات أعلى، مع الانفتاح الإعلامي الذي عرض أنماطًا لم تكن متاحة من قبل، فتحوّل الإنفاق من قرار عقلاني إلى رد فعل عاطفي.
لقد حان الوقت لإعادة تقييم سلوكياتنا.
أن نحوّل تركيزنا من البذخ إلى البهجة الحقيقية، ومن المظاهر إلى المعاني.
لا تدع عمرك يمر وأنت تسعى وراء ما لا تقدر عليه.
اسعَ فقط لإسعاد نفسك ومن حولك، دون مبالغة، ودون أن تُحمّل نفسك ما لا تحتمل.
فالحياة أبسط مما نظن.
انظر إلى نفسك بحب، ولا تُرهقها.
واجعل من مناسباتك فرصة للترابط، لا للمقارنة… وللمحبة، لا للمباهاة.
لنُعد تعريف احتفالاتنا، ونركّز على اللحظات الصادقة التي تجمعنا، لا على المظاهر التي تُفرّقنا.
فالأعياد ليست فيما نملك، بل فيما نشعر به.
السعادة الحقيقية لا تُشترى… بل تُعاش.
فلنجعل أعيادنا ومناسباتنا مصدر فرح، لا عبئًا من الديون…
ولنبحث عن سعادتنا فيمن حولنا، لا فيما ننفقه. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل



