الرئيسيةمقالات العدلأحمد صبرهأحمد صبره يكتب: ما بين “صُنع في الصين” إلى “صُنع مع الصين”...

أحمد صبره يكتب: ما بين “صُنع في الصين” إلى “صُنع مع الصين” و“صُنع من أجل الصين”

إلي أين يتجه التنين الصيني؟

قراءة سياسية معمّقة في الخطة الخمسية الخامسة عشرة لـ الحزب الشيوعي الصيني من منظور عربي ومصري.

لم تعد الخطط الخمسية في الصين مجرد أدوات تخطيط اقتصادي تقليدية تحدد مستهدفات النمو ومعدلات الاستثمار، بل أصبحت إطارًا سياسيًا شاملاً يعكس رؤية الدولة لموقعها في النظام الدولي. وفي ضوء مشاركتي ضمن الوفد الاستطلاعي العربي الذي ضم قيادات سياسية واقتصادية وأكاديمية، خلال زيارتنا إلى بكين ووهان وقوانغتشو في الفترة من 18 إلى 29 يناير، بدا جليًا أن الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026–2030) تمثل محطة مفصلية في مسار التحول الصيني.

هذه الخطة لا تواصل فقط مسار “التنمية عالية الجودة” الذي أُرسِي في الخطة السابقة، بل تؤسس لمرحلة انتقال من نموذج ارتبط عالميًا بشعار “صُنع في الصين” إلى معادلة أكثر تعقيدًا ونضجًا قوامها

“صُنع مع الصين” و“صُنع من أجل الصين”.

حيث تنتقل الصين فيه من دور المصنع الأكبر في العالم، إلى دولة تسعى لأن تكون شريكًا تكنولوجيًا مركزيًا، وسوقًا استهلاكية استراتيجية، ومحورًا هاماً في إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية.

أولاً: التحول في فلسفة الدولة – من الكم إلى إعادة التموضع الاستراتيجي

:على مدى أربعة عقود، ارتكز النمو الصيني على نموذج يقوم على

. جذب الاستثمارات الأجنبية

. التصنيع واسع النطاق منخفض التكلفة

. التصدير الكثيف للأسواق الغربية

: غير أن البيئة الدولية اليوم تختلف جذريًا

فمع تصاعد التوترات التجارية، وسباق التكنولوجيا، وإعادة تموضع سلاسل الإمداد، والضغوط المرتبطة بالأمن الاقتصادي. في هذا السياق، تأتي الخطة الخامسة عشرة كاستجابة استراتيجية شاملة، هدفها ليس فقط الحفاظ على النمو، بل تحصين السيادة الاقتصادية والتكنولوجية للصين.

ويعكس التحول من “صُنع في الصين” إلى “صُنع مع الصين” رغبة في بناء شراكات إنتاجية قائمة على التكامل، بحيث تصبح الدول الشريكة جزءًا من منظومة التصنيع والابتكار، لا مجرد أسواق استهلاكية.

أما “صُنع من أجل الصين”، فتعبر عن تعميق استراتيجية “الدورة المزدوجة”، التي تعزز الطلب المحلي وتقلل الاعتماد النسبي على الصادرات، دون الانغلاق عن الاقتصاد العالمي.

ثانيًا: التكنولوجيا كأولوية سيادية

في بكين، حيث تتشكل السياسات الكبرى،لم تعد التكنولوجيا مجرد قطاع اقتصادي فقط، بل أصبحت قضية أمن قومي.

والذي تجلي في الاستثمارات الضخمة في :

– أشباه الموصلات

– الذكاء الاصطناعي

– الحوسبة الكمية

– الروبوتات الصناعية

– الصناعات الدوائية المتقدمة

ما يعكس ادراك الصين بأن التفوق التكنولوجي هو أساس القوة في القرن الحادي والعشرين.

ومن خلال زيارتنا لعدد من المؤسسات البحثية ومراكز الابتكار، لمسنا تكاملًا واضحًا بين الجامعات والصناعة، في نموذج يربط البحث العلمي بالتطبيق الصناعي مباشرة. وهو ما يجعل هذا التكامل العمود الفقري لانتقال الصين نحو اقتصاد عالي القيمة.

أما من اامنظور العربي والمصري، يمثل هذا التحول فرصة وتحديًا في آنٍ واحد.

تكمن فرصته في إمكانية الدخول في شراكات إنتاجية ضمن إطار “صُنع مع الصين”، أما التحدي فيتمثل في ضرورة امتلاك قاعدة علمية وصناعية قادرة على استيعاب التكنولوجيا ونقلها، لا الاكتفاء باستيرادها.

ثالثًا: الاقتصاد الأخضر وإعادة تعريف القوة الصناعية

في قوانغتشو، بدت ملامح الصين الجديدة أكثر وضوحًا.

فالصناعات الخضراء، والمركبات الكهربائية، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح ليست مجرد قطاعات نامية، بل تمثل ركيزة استراتيجية في الخطة الخامسة عشرة.

تتصدر الصين اليوم عالميًا في إنتاج مكونات الطاقة المتجددة، وتسعى لقيادة التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون. هذا التوجه يخدم بعدين متكاملين :

. ١- تلبية احتياجات السوق المحلي المتزايدة للطاقة النظيفة — “صُنع من أجل الصين”.

. ٢- تصدير التكنولوجيا وبناء شراكات صناعية خارجية — “صُنع مع الصين”.

ومع سعي مصر لترسيخ موقعها كمركز إقليمي للهيدروجين الأخضر، يمكن أن يمثل هذا المجال محورًا لشراكة استراتيجية طويلة الأمد، تتجاوز إطر التبادل التجاري إلى التكامل الصناعي.

رابعًا: الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد

أحد أبرز ملامح الخطة الخامسة عشرة هو التركيز على:

الاكتفاء الذاتي الغذائي.

تنويع مصادر المواد الخام.

تأمين الصناعات الاستراتيجية.

يعكس هذا التوجه إدراكًا صينيًا عميقًا بأن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مزيد من التسييس.

ومن هنا تسعى بكين إلى إعادة هندسة سلاسل إمدادها لتكون أكثر مرونة وأقل عرضة للصدمات الخارجية.

في هذا السياق، يبرز مفهوم “صُنع مع الصين” كآلية عملية لتوزيع الإنتاج عبر شبكة شركاء موثوقين، دون التخلي عن مركزية القرار الاستراتيجي.

بالنسبة لمصر، فإن الموقع الجغرافي، وقناة السويس، والمناطق الاقتصادية الخاصة، تمنحها فرصة لتكون جزءًا من هذه الشبكات الجديدة، سواء كمركز تصنيع مشترك أو منصة لوجستية للأسواق الإفريقية.

خامسًا: البعد السياسي والإداري – سر الاستمرارية

ما يميز التجربة الصينية ليس فقط حجم الاقتصاد، بل القدرة على التخطيط طويل الأجل ضمن استقرار مؤسسي واضح.

الخطة الخمسية ليست مجرد إعلان نوايا، بل إطار ملزم تُترجم فيه الأهداف إلى مؤشرات أداء تُحاسَب عليها القيادات المحلية.

ويقابل المركزية في وضع الرؤية، مرونة في التنفيذ الإقليمي، وهو ما لمسناه في التباين الإيجابي بين بكين كعاصمة سياسية، ووهان كمركز علمي، وقوانغتشو كواجهة صناعية وتجارية.

سمح هذا الانضباط المؤسسي بالانتقال المنظم من نموذج “مصنع العالم” إلى نموذج الشريك التكنولوجي والسوق الاستراتيجية.

سادسًا: الدلالات بالنسبة لمصر والعالم العربي

تفرض التحولات التي تجسدها الخطة الخامسة عشرة على الدول العربية، ومصر تحديدًا، إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع الصين.

فلم يعد كافيًا الاكتفاء بزيادة حجم التبادل التجاري بينما أصبح المطلوب هو:

صياغة سياسة صناعية واضحة تجاه الصين.

التفاوض على نقل المعرفة ضمن الاستثمارات.

تطوير التعليم الفني والبحث التطبيقي.

استهداف الإنتاج المشترك الموجه للسوق الصينية.

فالتحول إلى “صُنع مع الصين” يتطلب جاهزية مؤسسية، أما الاستفادة من “صُنع من أجل الصين” فتحتاج إلى منتجات ذات قيمة مضافة قادرة على المنافسة في سوق متطلبة ومتطورة.

خاتمة: لحظة إعادة تموضع :

إن الخطة الخمسية الخامسة عشرة لـ الحزب الشيوعي الصيني ليست مجرد استمرار لمسار تنموي، بل تعبير عن إعادة تموضع شاملة للصين في النظام الدولي.

فهي انتقال محسوب من نموذج يعتمد على وفرة العمالة والتصدير الكثيف، إلى نموذج يقوم على التكنولوجيا المتقدمة، والشراكات الإنتاجية، والسوق الداخلية الضخمة.

فمن “صُنع في الصين” إلى “صُنع مع الصين” و“صُنع من أجل الصين”، يتشكل واقع اقتصادي عالمي جديد.

ويبقى السؤال مطروحًا على صانع القرار العربي :

هل نمتلك الرؤية والإرادة للانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في هذا التحول التاريخي؟ #منتدى_العدل_للتنمية#حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة