شكّلت ثورة الخامس والعشرين من يناير لحظة فارقة في التاريخ السياسي المصري، ليس فقط لأنها كسرت حاجز الخوف، بل لأنها فتحت المجال العام على مصراعيه أمام تأسيس عشرات الأحزاب الجديدة. غير أن هذه الطفرة الكمية لم تُترجم إلى ثراء فكري أو تنوع أيديولوجي حقيقي، إذ سرعان ما بدا أن كثيرًا من هذه الكيانات وُلدت بلا مشروع واضح، مكتفية بشعارات عامة تصلح للجميع ولا تُعبّر عن أحد.
في السنوات الأولى التي تلت الثورة، بدا المشهد الحزبي مزدحمًا لكنه ضبابي. أحزاب تحمل أسماء مختلفة، لكنها تتبنى الخطاب ذاته، وتقدم البرامج نفسها تقريبًا، وتتحرك داخل المساحة السياسية نفسها دون تمايز يُذكر. لم يكن الخلاف بين هذه الأحزاب خلافًا فكريًا حول دور الدولة أو العدالة الاجتماعية أو الحريات، بل تنافسًا على المساحات والتمثيل، وهو ما أفقد العمل الحزبي معناه الحقيقي.
هذا الغياب الواضح للأيديولوجيا جعل الانتماء الحزبي بعد يناير انتماءً هشًا، قابلًا للتبدل السريع. فمع كل استحقاق انتخابي، شهدنا موجات من الانتقالات بين الأحزاب، لا بسبب مراجعات فكرية أو خلافات سياسية عميقة، بل بحثًا عن فرص أفضل للترشح أو الاقتراب من مراكز النفوذ. وهكذا تحولت بعض الأحزاب إلى مجرد محطات عبور، لا مدارس سياسية تصنع الكوادر وتبني القناعات.
ومع الوقت، انعكس هذا الواقع على البنية الداخلية للأحزاب نفسها. غابت الحدود بين القيادة والقاعدة، وبين الموالي والمعارض، وتلاشت مفاهيم الأغلبية والأقلية داخل التنظيم الواحد. لم يعد الخلاف يُدار باعتباره قيمة تنظيمية، بل كتهديد للوحدة الشكلية، فاختفى النقاش الجاد، وتكرست حالة من التشابه السياسي التي أضعفت الأحزاب من الداخل قبل أن تُضعفها في الشارع.
الأخطر أن هذا التشابه لم يقتصر على الأحزاب المدنية فقط، بل امتد ليصيب المجال السياسي بأكمله بحالة من التكلس. فحين يغيب الاختلاف الأيديولوجي، يصبح الخطاب السياسي أقرب إلى إدارة يومية للأزمات، لا إلى تقديم رؤى بديلة للمستقبل. وبذلك خسر المواطن قدرته على التمييز والاختيار، وتراجعت ثقة الشارع في جدوى العمل الحزبي برمته.
إن التجربة المصرية بعد يناير تؤكد أن الاستقرار السياسي لا يتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بتنظيمه داخل أطر حزبية واضحة المعالم. فالأيديولوجيا ليست رفاهية فكرية، ولا دعوة للاستقطاب، بل أداة لتنظيم التنافس وضبط الخلاف وتحويله إلى سياسات قابلة للنقاش والمحاسبة. ومن دونها، تظل الأحزاب كيانات بلا اتجاه، عاجزة عن تقديم بديل حقيقي.
وفي المحصلة، لا يمكن الحديث عن حياة سياسية ناضجة بعد يناير دون مراجعة جذرية لدور الأحزاب ووظيفتها. مراجعة تعيد الاعتبار للفكرة قبل الكرسي، وللبرنامج قبل التحالف، وللاختلاف الأيديولوجي بوصفه جوهر السياسة لا عبئًا عليها. فإما أحزاب ذات هوية واضحة ومشروع مُعلن، أو مشهد سياسي مزدحم… بلا سياسة، وبلا أثر حقيقي لصالح المواطن والوطن. #حزب_العدل#صوت_الطبقة_المتوسطة#العدل_هو_الأمل



